فوزي آل سيف
50
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
لكن في زمان الإمام الهادي كان غالب إمامته في فترة المتوكل العباسي (من سنة 232 ـ إلى 247 هـ) وهو من أشد أنصار المجسمة والقشريين مع ما كان عليه من التساهل الفاضح في الالتزام الديني وقد ذكرنا شيئا من تناقضاته في فصول سابقة. ومن الطبيعي أن مثل هذا الذي زعموه ناصر السنة، والذي أرسل وراء المحدثين من كل مكان ليأتوا إلى سامراء وينشروا أحاديث الرؤية والصفات والقدر، ومعها أيضا سُنّة البغض لأمير المؤمنين علي عليه السلام. كان من الطبيعي ألّا يجد الإمام الهادي نفس الجو والبيئة المساعدة له على بيان خلل وخطل تلك الآراء السقيمة. فإنها تعني معارضة خطة تبناها الخليفة وتابعها بنفسه! بل حتى في الفترة التي أعقبت زمان المأمون وجاء فيها المعتصم العباسي ثم الواثق، لم تكن كفترة المأمون! أما المعتصم فقد كان معروفا بالجهل وعدم الاقبال على المسائل الفكرية، وظني أنه لم يكن يعرف ما الفرق بين الفئتين! ولا ما يترتب على الفكرتين المتخالفتين.. ولكنه ورث وضعًا سياسيًّا وإداريًّا لا يستطيع إلا التعامل معه والجريان في تياره! والواثق وإن كان أذكى وأفهم من المعتصم إلا أنه كما يبدو لم يكن لديه الحماس الذي كان لدى المأمون في مناصرة أفكار المعتزلة، بالإضافة إلى أن ممارسات بعضهم قد تعدت الحدود وأخذت تؤثر بشكل عكسي، في تعاطف الناس مع أعداء المعتزلة! مع كل هذا فإننا نلحظ أن الإمام عليه السلام لم يتوقف عن تخطئة التيار المشبه والمجسم والذي يتمسك بالأحاديث أكثر من نظره للقرآن وآياته، ولا يفكر في متن الأحاديث ومضمونها بمقدار ما يقدس رواتها وما داموا قد رووا هذا وهم كما قال الذهبي في بعض تعليقاته (أئمة الهدى وسرج الدجى!!) فإذن يجب أن يؤخذ عنهم وان استلزم من الشناعات ما يستلزم. أخذ الإمام يوضح أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن رؤيته ويستحيل ذلك، وأنه ليس بجسم ولا صورة وأن البشر لا يستطيعون أن يحيطوا به علمًا لا بالنظر إليه ولا بتصوره في صورة عقلية ووهمية، لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا في اليقظة ولا في المنام.. وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأكد على الرجوع إلى القرآن الذي ينفي كل ما رواه أولئك. وقد أشار الشيخ المهاجر في حديثه عن هذا الجانب إلى ما ذكره الشيخ جعفر السبحاني في كتابه بحوث في الملل والنحل[164]من أن فكرة رؤية الله سبحانه ترجع أصولها إلى ما جاء في كتب اليهود والنصارى، وأورد السبحاني في كتابه هذا بعض النصوص المشيرة إلى أصولها. كما ذكر المهاجر أيضًا أن قسمًا من الروايات معنوَنةٌ بعنوان كتبتُ، أو كتب إليه فلان، وهو يشير إلى أن الرواية صدرت لتوضيح الجواب لشيعة الإمام في غير سامراء. ولعل هذا يؤكد ما تقدم قبل سطور من أن البيئة العامة للعاصمة (سامراء) لم تكن مشجعة على خوض هذه النقاشات، ولكن أصل المسألة كانت مطروحة هنا وهناك فكان الإمام عليه السلام يجيب على أسئلة شيعته ويوضح القول الصائب فيها. وسنرى بعض ما قام به الإمام في هذه الجهة من خلال النقاط التالية: الأولى/ فمن ذلك ما نقله الكليني في كتابه الكافي،[165]بإسناده عن أحمد بن إسحاق، قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن الرّؤية وما اختلف فيه الناس؟ فكتب:" لا تجوز الرّؤية، ما لم يكن بين الرائي والمرئيّ هواء [ لم ] ينفذه البصر فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئيّ لم تصحّ الرؤية؛ وكان في ذلك الاشتباه، لأنّ الرائي متى ساوى المرئيّ في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان ذلك التشبيه لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات ". ومختصر معناها: أنه لكي يرى الرائي شيئًا فلا بد أن يكون بينه وبين المرئي فراغ يخترقه البصر حتى يصل إلى إدراكه، ولكي يكون هناك فراغ لا بد أن يكون المرئي محدودًا من الجهات، حتى يراه الرائي بأبعاده وهذا مستحيل بالنسبة لله سبحانه إذ يلزم من ذلك أن يكون في جهة خاصة دون سائر الجهات، ويلزم أن يكون محدودًا ذا أبعاد معينة! وتلك الأبعاد يقدر البصر أن يحيط بها وكل ذلك محال في حق الباري سبحانه.
--> 164 ) بحوث في الملل والنحل 2/ 193 165 ) الكليني: الكافي١/١٤٥